أسعد السحمراني

147

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

إلى السلوك الفاضل عن طريق تزكية النفس وليس عن طريق البدن . فبعد أن يحقق الإنسان الحد الضروري من مستلزمات الحياة عليه « أن يلتمس الفضيلة في نفسه العاقلة التي بها صار إنسانا ، وينظر إلى هذه النقاصانات التي في هذه النفس خاصة ، فيروم تكميلها بطاقته وجهده ، فإن هذه هي الخبرات التي لا تستر . . . وهي التي بها يكون بعض الناس أفضل من بعض ، وبعضهم أكثر إنسانية من بعض » « 1 » . فتكميل قوى النفس إذن يجب أن تصرف له كامل الطاقة ، لأنه كلما عرجت النفس في مراقي الكمال بفضل الالتزام بالعمل الفاضل ، كلما نجحت في تحقيق إنسانيتها . الإنسان بنفسه وليس ببدنه ، هذه هي القاعدة الإسلامية ، وهناك عدد كبير من الفلاسفة الإنسانيين لم يخرجوا عن هذه القاعدة ، منهم أبو علي مسكويه الذي يعدّ النفس كنزا معطى للإنسان من واجبه أن يحافظ عليها ، ويعطيها مكانتها ، وأن لا يترك السلوك البهيمي المعبّر عن متطلبات البدن يسيطر عليها ، « وقد شبّه الحكماء من أهمل سياسة نفسه العاقلة ، وترك سلطان الشهوة ومحبة الكرامة يستولي عليها ، برجل معه ياقوتة شريفة حمراء لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ونفاسة ، وكان بين يديه نار تضطرم فرماها في حباحبها حتى صارت كلسا لا منفعة فيها فخسرها وخسر ضروب منافعها » « 2 » . النفس عند مسكويه إذا جوهرة ثمينة سلّمت للإنسان فإما أن يعطيها حقّها ومكانتها ، فيجعلها متسلطة على البدن ، وبذلك تتحقق الفضيلة ، وإما أن يتركها ويهملها فيستسلم لنار الشهوة التي تحرق الفضائل ، ولتحكم الهوى الذي يعطل النفس عن دورها . تبدأ مرحلة إعطاء النفس مكانتها من معرفة الإنسان لحقيقة نفسه

--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 49 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 53 .